فؤاد سزگين

29

تاريخ التراث العربي

ثانيا : كتب القراءات في العصر العباسي ( حتى حوالي سنة 430 ه ) تطورت الدراسة العلمية للقراءات المختلفة في العصر العباسي ، في البصرة والكوفة بصفة خاصة وبدرجة أقل في الحجاز وقد أسهم اللغويون في هذه الدراسات إسهاما كبيرا ، فلقد حاولوا إيجاد شروح نحوية للمواضع المشكلة في القرآن الكريم . واتبع اللغوي البصري أبو عبيدة معمر بن المثنى ( المتوفى 210 ه / 825 م ) في ذلك منهجا خاصا ، فقد حاول أن يجد لأمثال تلك المواضع شواهد من الشعر العربي القديم وأن يفسرها بشذوذ اللغة . « 36 » والمرجح أن أول محاولة لتقديم نص متفق عليه ترجع إلى نحاة هذه الفترة . لقد اعتمد سيبويه على قراءة شائعة في البصرة « 37 » ، وكان يعرف إلى جانبها قراءات محلية معتادة في مراكز أخرى باستثناء دمشق . وإذا كان أبو عبيدة القاسم بن سلام ( المتوفى 224 / 838 م ) قد اختطّ بين مدرستى البصرة والكوفة في النحو موقفا انتقائيا ، فإنه ومعاصره أبا حاتم السجستاني قد أدخلا في القراءات مبدأ « الاختيار » ، وبه لا يكون الاختيار بناء على عدد القراءات المحلية المختلفة وعدد القرّاء فقط ، وإنما يتم بصفة أكثر بناء على قيمة هذه القراءات ومكانة قرائها . ولكن هذا الاختيار ومحاولة الجمع بين قراءات مختلفة قد أوقفهما في أواخر القرن الثالث الهجري نزعة إلى الاتجاه السلفي « 38 » .

--> ( 36 ) انظر : مجاز القرآن لأبى عبيدة ، في مواضع مختلفة . ( 37 ) انظر ما كتبه برجشتراسر في المرجع الألماني السابق 142 . ( 38 ) انظر برجشتراسر في المرجع الألماني السابق 130 - 131 ، 142 - 143